يتابع حزب نستطيع بقلق بالغ وتضامن مبدئي، دينامية الحراك الاجتماعي الذي تشهده منطقة آيت بوكماز، التابعة لإقليم أزيلال، حيث خرج المواطنون والمواطنات في مظاهرات سلمية مستمرة، يطالبون بما لا ينبغي أن يُطالب به في مغرب يفترض أنه دخل عهد الجهوية المتقدمة والعدالة الاجتماعية: الحق في التعليم، في الصحة، في العيش الكريم، وفي احترام إنسانيتهم.
إن احتجاجات آيت بوكماز ليست مجرد ملف مطلبي محلي، بل هي تعبير عن انسداد سياسي عميق، وفشل في بناء نموذج تنموي قائم على العدالة المجالية، وانكشاف لما هو أعمق: أزمة شرعية تعاني منها الدولة المركزية في علاقتها بالمواطن في المغرب غير النافع.
لسنا أمام احتجاج موسمي، بل أمام حالة تراكم غضب اجتماعي مشروع، تفضح تناقضات جوهرية في بنية الدولة، وتُسائل الأسس التي يُبنى عليها القرار العمومي:
- ما الجدوى من دستور يُنصّص على العدالة المجالية (الفصل 136) إذا كانت المناطق الجبلية تُترك لعزلتها الجغرافية والاجتماعية؟
- ما معنى الحق في الصحة والتعليم والتغطية الاجتماعية (الفصل 31)، إذا ظل المواطن في أعالي الأطلس مجبرًا على قطع الكيلومترات بحثًا عن مدرسة أو مركز صحي مغلق؟
- ما معنى “النموذج التنموي الجديد” إذا ظل يُعاد إنتاج منطق الريع المركزي والتحكم عن بُعد؟
إن سكوت مؤسسات الدولة عن هذا الحراك، وعدم فتح أي قناة تواصلية فعلية مع الساكنة، يمثل خرقًا سياسيًا وأخلاقيًا، ويؤكد استمرار سياسة الإقصاء والتجاهل.
يرى حزب نستطيع أن محاولة اختزال الأزمة في سوء تدبير محلي أو ضعف في تنفيذ البرامج الحكومية، هو تضليل سياسي مفضوح. فالحقيقة هي أن:
- القرارات الجوهرية، بما فيها التوجهات التنموية الكبرى، تُصاغ خارج الرقابة الديمقراطية والمؤسسات التمثيلية؛
- ما يسمى بـ”المجالس الجهوية المنتخبة” تشتغل بصلاحيات منقوصة وموارد محدودة، ما يجعل الجهوية المتقدمة شعارًا بلا مضمون؛
- استمرار هيمنة “الدولة العميقة” على مفاصل القرار المالي والاستثمارييحرم مناطق مثل آيت بوكماز من أبسط شروط التنمية البشرية المستدامة.
وعليه، فإن الأزمة ليست فقط في الحكومة، بل في بنية السلطة نفسها، التي لم تخضع بعد لمنطق الرقابة الشعبية وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ينص عليه الفصل الأول من الدستور.
إن ما تعانيه ساكنة آيت بوكماز، من حرمان من البنى التحتية، إلى الإقصاء من برامج التنمية، هو جزء من مشهد وطني شامل. فالمغرب، بعد عقود من الاستقلال، لا يزال يعرف تفاوتات مجالية صارخة:
- بين المركز والهامش،
- بين الرباط والقرى الجبلية،
- بين المغرب الرسمي والمغرب الواقعي.
وهذا التفاوت ليس عَرَضًا، بل نتيجة مباشرة لاختيارات سياسية استُبعدت فيها الإرادة الشعبية، وتم تغليب المنطق الأمني على المنطق الحقوقي، ومنطق التسويق الدولي على منطق الإنصاف الاجتماعي.
إن التقارير التي تتحدث عن منح “السعادة للزوار الأجانب” في آيت بوكماز، عبر مشاريع سياحية بيئية تستثني أبناء المنطقة، تمثل وجهًا فجًا لمنطق الاستغلال النيوليبرالي الذي يسلّع المجال، دون احترام الحقوق الأصلية للسكان.
إن آيت بوكماز ليست حديقة خلفية، ولا منتجعًا بيئيًا للنخبة، بل أرض لها سكان وذاكرة وهوية وحقّ في تقرير مصيرها التنموي.
بناءً على ما سبق، يعلن حزب نستطيع ما يلي:
- دعمه الكامل والمبدئي للحراك السلمي في آيت بوكماز، واعتباره نموذجًا راقيًا في التعبير الحضاري عن المطالب.
- تحميل النظام السياسي برمّته مسؤولية ما آلت إليه أوضاع المناطق المهمشة، واعتبار أن تجاوز هذه الأزمة يقتضي إصلاحًا سياسيًا عميقًا يقطع مع مركزية القرار وانعدام المحاسبة.
- دعوة عاجلة لفتح حوار مؤسساتي وعمومي مع ممثلي الساكنة، بحضور الفاعلين الحقوقيين والمجتمع المدني، على أن يُنقل إلى البرلمان وتُبنى عليه إجراءات تشريعية واضحة.
- إقرار قانون إطار خاص بالمناطق الجبلية والمهمشة، يضمن التنمية المستدامة، وتوفير الصحة، والنقل، والتعليم، مع ربط ذلك بميزانيات واضحة وآجال مضبوطة.
- مراجعة النموذج التنموي الجديد مراجعة نقدية شاملة، تراعي الواقع الترابي والمجتمعي، بدل تسويقه كشعار دون أثر ميداني.
- القطع مع السياسات الفوقية والزبونية التي تستنزف الإمكانيات العمومية دون مردودية اجتماعية.
إن حزب نستطيع، وهو يستشرف مستقبلًا ديمقراطيًا واجتماعيًا حقيقيًا، يؤكد أن لا إصلاح ممكن دون مساءلة سياسية جذرية للنموذج القائم، ودون ردّ الاعتبار للكرامة المواطنية في أبسط صورها: مدرسة، مستشفى، طريق، وحق في الحلم داخل أرض الوطن.
ما وقع في آيت بوكماز ليس استثناءً… بل هو عنوان المرحلة.
عن اللجنة الإعلامية
حزب نستطيع (قيد التأسيس)
حرر بفاس في 13 يوليوز 2025

