أثارت تصريحات وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، خلال زيارته إلى الرباط، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية المغربية، حيث فُسرت على نطاق واسع كـ”اعتراف ضمني” بمغربية الصحراء. لكن القراءة المتأنية والعقلانية للمشهد السياسي الدولي تقودنا إلى تمييز مهم بين الدعم السياسي الظرفي والاعتراف الرسمي السيادي.
أولاً، ما الذي قاله لامي فعلاً؟
الوزير البريطاني اعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية “جادة وواقعية وذات مصداقية”، وهو توصيف سياسي يتقاطع مع مواقف عدد من الدول الكبرى كفرنسا وإسبانيا. إلا أن التصريح لم يتضمن أي اعتراف صريح بسيادة المغرب على الإقليم، ولم يصدر عن البرلمان البريطاني أو يُدرج في وثائق رسمية ملزمة للمملكة المتحدة.
ثانياً، الفرق بين المجاملة الدبلوماسية والاعتراف القانوني
في علم العلاقات الدولية، التصريحات الصادرة عن الوزراء — مهما كانت رفيعة المستوى — تُعد تعبيراً عن موقف سياسي يمكن أن يتغير مع تغير الحكومات أو الظروف الجيوسياسية. أما الاعتراف القانوني، فهو عملية مؤسساتية تتطلب إجراءات رسمية داخل “المطبخ السياسي” للدولة:
- موافقة البرلمان
- تسجيل الموقف في السجلات الرسمية للحكومة
- تعديل المواقف المعتمدة لدى الأمم المتحدة
وهذه الخطوات لم تحدث حتى الآن في حالة بريطانيا.
المخاطر في المبالغة بالاحتفال الدبلوماسي
تحويل كل مجاملة سياسية إلى “نصر دبلوماسي” قد يؤدي إلى وهم استراتيجي يعرقل المسار الجاد لحل النزاع. كما أن الرهان على تصريحات ظرفية يُضعف من مركزية العمل المؤسسي والترافع الأممي المبني على الشرعية والقانون الدولي.
المطلوب: عمل سياسي ومؤسساتي لا يرتكز على الانطباعات
- التركيز على بناء تحالفات رسمية ومستدامة داخل المؤسسات البرلمانية في الدول الكبرى
- دعم جهود الأمم المتحدة والمبعوث الشخصي، ستافان دي ميستورا، من خلال أطروحات عملية ومُقنعة
- تجنّب توظيف الملف في الدعاية الداخلية أو الإعلامية بشكل يفرغه من عمقه الاستراتيجي
مغربية الصحراء لا تُبنى على مجاملات ديبلوماسية متذبذبة، بل على اعترافات قانونية صلبة ومستمرة. ونحن مطالبون اليوم، حكومةً ومجتمعاً مدنياً، بأن نتحرك في الاتجاه الصحيح: العمل الجاد، العقلاني، المتزن داخل المؤسسات الدولية، بعيداً عن الضجيج الدعائي أو الفرح المُفرط بتصريحات غير مُلزمة.
#تحليل_سياسي
#حزب_نستطيع (قيد التأسيس).

