الحمد لله الذي كتب النصر لعباده الصابرين، وأظهر للعالم أن الكرامة لا تُشترى بالدبابات، وأن الشعوب الأبية لا تنكسر، مهما اشتد الحصار واشتعلت نيران الغدر.
غزة، تلك البقعة الصغيرة المحاصرة من كل الجهات، لم تكن مجرد مدينة تصارع الموت، بل كانت ميدانًا لصناعة التاريخ، وقبلة لكل من لا يزال يؤمن بأن الكرامة لا تُمنَح بل تُنتَزع انتزاعًا.
لقد أثبتت غزة للعالم أجمع أن الصمود فكرة، وأن الشجاعة موقف، وأن من يمتلك الإرادة يمكنه أن يربك حسابات أضخم الجيوش، وأن يعيد رسم خرائط النفوذ بالدم والتضحية، لا بالمؤتمرات والتطبيع.
غزة تُحطم أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”
لعقود طويلة، ظلت ماكينة الإعلام الصهيوني والغربي تروج لخرافة “الجيش الذي لا يُقهر”، مدعومة بإعلام عربي متواطئ أو جبان. حتى جاءت غزة، لا بسلاح نوعي ولا بدعم دولي، بل بقناعة راسخة أن الحق لا يُهزم، لتفضح هذا الوهم، وتكسر الهيبة المصطنعة لكيان الاحتلال.
شباب بأجسادهم النحيلة، وقلوبهم العامرة بالإيمان، وعزيمتهم التي فاقت الأسلحة، وقفوا في وجه جيش مدجج، فضربوه في عمقه، وكشفوا هشاشته أمام العالم.
غزة وحدها.. وألف جبهة متخاذلة
في الوقت الذي كانت فيه غزة تُدكّ بالقنابل وتُدفن أحياؤها تحت الركام، كانت عواصم عربية تغني على أوتار التطبيع، وتتسابق في نيل رضا المحتل. لم تفتح معابر، لم تُرسل جيوش، لم تُحرّك ضمائر. كانت غزة وحدها، لكنها كانت تساوي الأرض كلها.
الغريب أن بعض الحكومات التي منعت شعوبها حتى من الدعاء، كانت تخرج لتطالب بـ”ضبط النفس”، وتراقب المجازر بصمت خبيث. وكأن دماء الأطفال في غزة لا تعنيهم، وكأن الإنسانية تقف عند حدود مصالحهم الضيقة.
رسالة غزة للعالم
ما حدث في غزة ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل رسالة حضارية وسياسية وأخلاقية، تقول: “ما زال في الأمة نبض، وما زال في قلوب الأحرار مكان لفلسطين”.
غزة أعادت ترتيب أولوياتنا، أعادت تعريف البطولة، وأعادت لنا الثقة بأن الشعوب لا تموت إذا تمسكت بالحق، وأن من يملك الإرادة يمكنه أن يغير المعادلة، ولو بوسائل بسيطة.
ما بعد غزة.. صحوة الوعي
إن انتصار غزة المعنوي والعسكري، يجب ألا يكون لحظة عابرة في وجدان الأمة، بل بداية مرحلة جديدة من الوعي. مرحلة تُسقط فيها الأقنعة، ويُفرز فيها الصف، ونعلم فيها من معنا ومن علينا.
لقد كشفت غزة أن الشعوب تملك طاقات هائلة، وأن الأمل لا يموت، وأن القضية الفلسطينية ليست عبئًا كما يروّج البعض، بل شرف لا يحمله إلا الأحرار.
وختامًا..
غزة لم تنتصر فقط على آلة الحرب، بل انتصرت على الخوف، على التردد، على التآمر. غزة لم تعد مجرد خبر عابر في النشرات، بل أصبحت عنوانًا للعزة، ومعنى للفداء.
فلنكن على قدر هذا الحدث، ولنعِ أن الدماء التي سالت ليست فقط من أجل غزة، بل من أجل كرامتنا جميعًا. فإما أن نكون مع فلسطين بصدق، أو نصمت إلى الأبد، لأن غزة رفعت السقف، ولم يعد هناك مكان للرماديين في زمن الحق والباطل.
تحية لغزة، تحية لشهدائها، تحية لكل من بقي واقفًا بينما كان العالم يركع
بقلم. عادل مخلسي

