مبادرة “نستطيع” في إطار رؤية إصلاحية لمنظومة الحماية الاجتماعية بالمغرب
أولًا: سياق عام
يشهد المغرب مرحلة مفصلية في تطوير منظومة الحماية الاجتماعية، لاسيما بعد تعميم التغطية الصحية، وإطلاق برامج الدعم المباشر للأسر. غير أن توسيع هذا الورش الوطني يقتضي إعادة تقييم الآليات المعتمدة في تشخيص الأوضاع الاجتماعية واستهداف الأسر، بما يضمن العدالة، والإنصاف، والمهنية.
وفي هذا الإطار، توضح مبادرة “نستطيع” وجود ثغرة نظامية وقانونية بارزة تتعلق باعتماد الدولة، في عدد من البرامج والممارسات، على تقرير عون السلطة كأداة شبه وحيدة لتحديد الوضعيات الاجتماعية للأسر، دون وجود إطار مهني أو معايير علمية منظمة.
وإذ نثمّن الدور المحوري الذي يقوم به أعوان السلطة في المجال الترابي، فإننا نؤكد أن المهام الاجتماعية ليست من صميم اختصاصهم ولا تتناسب مع تكوينهم الوظيفي، مما يستوجب مراجعة عميقة لهذه المقاربة.
هذه المذكرة تأتي لتقديم مقترح إصلاحي متكامل يهدف إلى إحداث جهاز اجتماعي وطني مهني يعتمد معايير علمية، ويشكل نقلة نوعية في منظومة المواكبة والدعم الاجتماعي بالمغرب.
ثانيًا: تشخيص الثغرة النظامية – غياب التأطير القانوني للبحث الاجتماعي
غياب سند قانوني يحدد مهنة البحث الاجتماعي
لا يتوفر الإطار التشريعي الوطني على تعريف دقيق لمفهوم البحث الاجتماعي، ولا على تحديد للاختصاصات المهنية المخولة للقيام به، ولا على مسطرة معتمدة لإعداد تقارير اجتماعية ذات حجية قانونية أو إدارية.
إسناد مهمة التقييم الاجتماعي لأعوان السلطة دون تكوين متخصص
رغم كفاءة أعوان السلطة في مجال الضبط الترابي، إلا أنه:
- لا يتوفرون على تكوين أكاديمي في علم الاجتماع، علم النفس الاجتماعي، مقاربة النوع، أو تقييم الهشاشة.
- تعتمد التقارير المنجزة غالبًا على المعاينة السريعة أو الانطباع العام، لا على أدوات تشخيص علمية.
- أصبحت هذه التقارير، بحكم الممارسة، محددًا رئيسيًا في استفادة الأسر من برامج الدعم، وهو ما يؤثر على العدالة الاجتماعية.
تفاوت كبير في جودة المعطيات
نتيجة غياب منهجية موحدة، يختلف مضمون وجودة التقارير بين:
- مدن وأخرى
- جماعات وأخرى
- أعوان سلطة وآخرين
مما يجعل الاستهداف الاجتماعي عرضة للخطأ وعدم الإنصاف.
تعارض هذا النموذج مع المعايير الدولية
الدول ذات الأنظمة الاجتماعية المتقدمة تعتمد:
- أخصائيين اجتماعيين مؤهلين
- تقييمًا متعدد الأبعاد
- تقارير مهنية مضبوطة
- ميثاقًا أخلاقيًا
- وآليات للمراقبة
وهو ما يفتقر إليه النموذج الحالي.
ثالثًا: مبررات الإصلاح
إن الوضع الاجتماعي للأسر المغربية أصبح متعدد الأبعاد ويستدعي تعاملًا مهنيًا متخصصًا، نظرًا لتعدد الإشكالات المرتبطة بـ:
- الهشاشة والفقر
- العنف الأسري
- التفكك الأسري
- الصعوبات النفسية والاجتماعية
- الهدر المدرسي
- البطالة وانقطاع الشباب عن سوق الشغل
هذه القضايا لا يمكن تقييمها عبر تقارير غير مهنية، لأن نتائج هذا التقييم تحدد:
- ولوج الأسر إلى الدعم
- التدخلات الاجتماعية
- الأحكام القضائية المتعلقة بالأسرة
- برامج الإدماج المهني
وهذا يستدعي إرساء جهاز وطني متخصص، منظم ومؤطر قانونيًا.
رابعًا: المقترح الإصلاحي – إحداث جهاز وطني للمواكبة والمراقبة الاجتماعية
تقترح مبادرة “نستطيع” اعتماد برنامج وطني جديد يقوم على تأسيس جهاز اجتماعي مهني يعمل داخل الجماعات الترابية، ويشكل الذراع الاجتماعية للدولة.
إحداث الفرق الاجتماعية الترابية
تضم:
- أخصائيين اجتماعيين
- أخصائيين نفسيين
- منشطين مجتمعيين
- وسطاء اجتماعيين
- منسقين ميدانيين
المهام الأساسية
- إنجاز بحوث اجتماعية مهنية وفق معايير علمية.
- إعداد تقارير ذات قوة قانونية واستعمالها في ملفات الدعم والقضاء.
- المواكبة المستمرة للأسر الهشة.
- التدخل في حالات العنف والتفكك الأسري.
- الإحالة نحو الخدمات الصحية، القانونية، والتربوية.
- تتبع مسارات الإدماج المهني للشباب.
- العمل داخل الأحياء كمرجع اجتماعي رسمي.
أدوات العمل
- اعتماد دليل وطني لتوحيد منهجية البحث الاجتماعي.
- وضع نظام معلومات موحد لتدبير الحالات الأسرية.
- استخدام استمارات تقييم متعددة الأبعاد.
- ضمان سرية، مهنية، واستقلالية العمل الاجتماعي.
إدماج خريجي معاهد التخصص
يفتح هذا الجهاز المجال لتوظيف:
- خريجي معاهد العمل الاجتماعي
- خريجي علم الاجتماع
- خريجي علم النفس
- تكوينات المهن الاجتماعية الجديدة
مما يسهم في تقليص البطالة وتحسين جودة الخدمات الاجتماعية.
خامسًا: الأثر المتوقع على الدولة والمجتمع
تعزيز دقة وشفافية استهداف الأسر
من خلال الانتقال من تقارير انطباعية إلى تشخيص مهني.
تحسين نجاعة البرامج الاجتماعية
بناءً على معطيات دقيقة وعلمية.
حماية الأسر من الأخطاء التقديرية
وضمان الإنصاف الاجتماعي.
دعم ورش الحماية الاجتماعية
عبر توفير قاعدة بيانات موثوقة وموحدة.
خلق مهنة جديدة داخل الدولة
تتماشى مع المعايير الدولية وتستوعب الخريجين.
سادسًا: الخلاصة والتوصيات
إن إصلاح منظومة الاستهداف الاجتماعي لم يعد خيارًا تقنيًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان نجاح الورش الملكي المتعلق بالحماية الاجتماعية.
وعليه، تقترح مبادرة “نستطيع”:
- الاعتراف القانوني بمهنة العامل الاجتماعي.
- تأسيس جهاز وطني للمواكبة والمراقبة الاجتماعية.
- تعويض تقارير أعوان السلطة بتقارير اجتماعية مهنية.
- إدماج آلاف الخريجين في هذه البنية الجديدة.
- ضمان حكامة اجتماعية حديثة قادرة على حماية الأسرة المغربية.
إن إصلاح منظومة الاستهداف والمواكبة الاجتماعية أصبح ضرورة ملحة لضمان عدالة اجتماعية قائمة على المهنية والإنصاف. ويشكل إنشاء جهاز وطني للمواكبة والمراقبة الاجتماعية خطوة استراتيجية لتعزيز حكامة الحماية الاجتماعية، وتثمين الكفاءات المتخصصة، وضمان تقييم موضوعي لوضعية الأسر. إن اعتماد هذا المقترح سيُمكّن الدولة من بناء منظومة اجتماعية حديثة وفعّالة، ويحقق انتقالًا نوعيًا في تدبير القضايا الاجتماعية بالمغرب.
عن حزب “نستطيع” قيد التأسيس
اللجنة المكلفة بالملف الإجتماعي والأسرة والتضامن

