حول تدبير الكوارث الطبيعية والمسؤولية العمومية
صادرة عن حزب “نستطيع” (قيد التأسيس)
أولًا: التقديم والسياق العام
الإصلاح مسؤولية دائمة لا مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية
يتابع حزب “نستطيع”، بقلق وحرقة ووعي وطني عميق، توالي الكوارث الطبيعية التي عرفتها بلادنا خلال السنوات الأخيرة، وآخرها الفيضانات التي مست مدنًا مغربية عديدة من بينها آسفي والقصر الكبير، وما رافقها من أضرار جسيمة مست حياة المواطنين وسلامتهم وممتلكاتهم وكرامتهم.
وإذ يؤكد الحزب أن هذه الظواهر الطبيعية تخرج عن تحكم الإنسان، فإنه يعتبر أن آثارها وحدّتها ليست قدرًا محتومًا، بل هي نتيجة مباشرة لاختيارات عمومية، ولغياب أو ضعف سياسات استباقية، ولسوء تدبير محلي ومركزي تتحمل فيه المسؤولية مؤسسات منتخبة وإدارية.
ويشدد الحزب على أن الإصلاح الحقيقي لا يجب أن يقترن بالاستحقاقات الانتخابية، لأن ربط الإصلاح بالمواعيد السياسية فقط يفرغه من مضمونه، ويحوّل العمل العمومي إلى رد فعل ظرفي بدل أن يكون سياسة عمومية دائمة قائمة على التخطيط والاستباق.
إن هذه المذكرة لا تندرج في منطق الاستنكار الموسمي، ولا في منطق الاستثمار السياسي في معاناة المنكوبين، بل تأتي كـ مبادرة مسؤولية واقتراح، هدفها المساهمة في تصحيح الاختلالات، وحماية المواطن، وصون الثقة في العمل السياسي.
ثانيًا: الإطار الدستوري والقانوني للمسؤولية
.1 المسؤولية الدستورية
ينص الدستور المغربي على مبادئ واضحة لا تحتمل التأويل:
- الفصل 1:ربط المسؤولية بالمحاسبة
- الفصل 31:حق المواطنات والمواطنين في السلامة وفي الولوج إلى الخدمات الأساسية
- الفصل 154:خضوع المرافق العمومية لمعايير الجودة والمساءلة
- الفصل 135 إلى 146:اختصاصات الجماعات الترابية في التنمية المحلية وحماية السكان
وبناءً عليه، فإن الإخلال بالوقاية من المخاطر الطبيعية، أو إهمال البنية التحتية، أو التقصير في التخطيط الترابي، يشكل إخلالًا بالواجب الدستوري وليس فقط فشلًا تقنيًا.
.2 الترسانة القانونية غير المفعّلة
رغم توفر بلادنا على قوانين ومخططات في مجالات:
- التعمير
- الماء والبيئة
- تدبير الجماعات الترابية
- الوقاية من الفيضانات
إلا أن غياب التفعيل، وضعف المراقبة، وانعدام العقوبات الرادعة، حول هذه النصوص إلى حبر على ورق، وترك المواطن في مواجهة الخطر.
ثالثًا: البعد الحقوقي والإنساني
الكارثة كمسألة حقوقية
إن ما يقع ليس فقط أزمة بنية تحتية، بل انتهاك لحقوق أساسية:
- الحق في الحياة
- الحق في السكن الآمن
- الحق في الكرامة الإنسانية
وهو ما يفرض اعتبار المتضررين ضحايا تقصير عمومي، لا مجرد متلقين للمساعدات الظرفية.
كرامة المواطن فوق الحسابات السياسية
يُسجل الحزب بقلق:
- غياب مواكبة اجتماعية ونفسية حقيقية للمنكوبين
- هشاشة حلول الإيواء المؤقت
- غياب تواصل مؤسساتي شفاف
ويؤكد أن الكرامة الإنسانية لا تقبل التدبير الموسمي ولا الظهور الإعلامي العابر.
رابعًا: فلسفة التعايش مع الكوارث الطبيعية
من منطق ردّ الفعل إلى منطق التكيّف والاستباق
يؤكد حزب “نستطيع” أن التعامل مع الكوارث الطبيعية يجب أن ينتقل من منطق التدخل بعد وقوع الفاجعة إلى فلسفة التعايش الذكي مع المخاطر، كما هو معمول به في عدد من الدول التي تواجه أخطارًا طبيعية دائمة.
ففي دول مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان، حيث تُعد الزلازل والفيضانات جزءًا من الواقع الجغرافي، لم يُتعامل مع الكارثة كاستثناء، بل كمعطى بنيوي تم إدماجه في:
- سياسات التعمير
- القوانين الهندسية
- التقنيات المعمارية
- التخطيط الحضري
وقد أدى ذلك إلى تشييد مبانٍ وناطحات سحاب قادرة على مقاومة الزلازل، وتقليص الخسائر البشرية إلى أدنى حد، رغم قوة هذه الظواهر.
إن حزب “نستطيع” يرى أن المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وتغيراته المناخية، مطالب بتبني مقاربة مماثلة، تعتبر أن الوقاية والتكيّف استثمار في الحياة، لا كلفة إضافية.
خامسًا: تشخيص اختلالات التدبير العمومي
من خلال تتبع الوقائع، يمكن رصد اختلالات بنيوية، من بينها:
- غياب خرائط محلية لمناطق الخطر
- السماح بالبناء في مجاري الأودية والمناطق الهشة
- ضعف الصيانة الدورية لشبكات التطهير
- غياب افتحاص المشاريع الوقائية السابقة
- ضبابية في صرف الميزانيات المخصصة للبنية التحتية
هذه الاختلالات ليست معزولة، بل تعكس نمطًا من التدبير غير المسؤول.
خامسًا: مقترحات حزب “نستطيع“
يقترح الحزب جملة من الإجراءات العاجلة والمتوسطة المدى:
- إعداد ونشر خرائط محلية لمخاطر الكوارث الطبيعية، ملزمة قانونًا
- منع صارم للبناء في المناطق عالية الخطورة، مع مساءلة المتورطين
- افتحاص وطني للمشاريع الوقائية المنجزة خلال العشر سنوات الأخيرة
- إلزام الجماعات بنشر تقارير الصيانة والميزانيات المرتبطة بها
- إحداث آلية مستقلة لتتبع الوقاية من الكوارث
- تفعيل مبدأ المسؤولية الشخصية للمسيرين في حالات الإهمال الجسيم
- إقرار مقاربة إنسانية شاملة ترافق المتضررين قبل وأثناء وبعد الكارثة
سادسًا: موقف الحزب
الإصلاح خيار استراتيجي دائم
يؤكد حزب “نستطيع” أن:
- الإصلاح ليس وعدًا انتخابيًا بل التزامًا مستمرًا
- السياسات العمومية يجب أن تُبنى على الاستباق لا على منطق الطوارئ
- ربط الفعل الإصلاحي بالمواسم الانتخابية يعمق فقدان الثقة في السياسة
- الدولة قوية بمؤسساتها لا بإخفاء اختلالاتها
- السياسة مسؤولية دائمة لا موسم انتخابي
- حماية المواطن واجب دستوري لا خيارًا سياسيًا
ويعلن الحزب استعداده الكامل للتعاون مع كل المؤسسات المعنية، والمساهمة في أي ورش إصلاحي جاد، إيمانًا بأن الوقاية ليست ترفًا، بل حقًا.
سابعًا: خاتمة
إن حزب “نستطيع”، وهو يقدّم هذه المذكرة، لا يدّعي امتلاك حلول سحرية، ولا يضع نفسه في موقع الواعظ أو القاضي، بل يختار بوضوح موقع الفاعل المسؤول الذي يؤمن أن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها قبل وقوع الخطر، لا فقط بسرعة تدخلها بعد الكارثة.
إننا نعتبر أن الكوارث الطبيعية ليست امتحانًا للطبيعة وحدها، بل امتحانًا لنجاعة السياسات العمومية، ولمدى احترام الدستور، ولمكانة الإنسان في سلم الأولويات. كما نؤمن أن التعايش الذكي مع المخاطر الطبيعية خيار حضاري، واستثمار طويل الأمد في الأمن الإنساني، وفي الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وعليه، يدعو حزب “نستطيع” إلى جعل الوقاية من الكوارث والتكيّف معها سياسة عمومية دائمة، لا رهينة للمواسم الانتخابية، ولا خاضعة لمنطق التدبير الظرفي، واضعًا هذه المذكرة رهن إشارة كل المؤسسات المعنية، منفتحًا على كل نقاش جاد، ومتمسكًا بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ حين نضع حياة المواطن وكرامته فوق كل اعتبار.
عن اللجنة القانونية – حزب «نستطيع» قيد التأسيس

